ابن عجيبة
308
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
حتى هم بترك الحانوت ؛ فبعث إليه الجنيد بمال كان صرف إليه ، وقال له : اجعل هذا في بضاعتك ، ولا تترك الحانوت فإنّ التجارة لا تضرّ مثلك . ويقال : إن هذا لم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه . ه . وكان عبد اللّه بن المبارك يصرف مصروفه لأهل العلم ، ويقول : إني لا أعرف بعد النبوة أفضل من العلماء ، فإذا اشتغل قلب أحدهم بالحاجة والعيلة لم يتفرغ للعلم ، ولا يقبل على تعليم الناس ، فرأيت أن أكفيهم أمر الدنيا ؛ لأفرغهم للعلم ، فهو أفضل . ه . واللّه تعالى أعلم . ثم رغّب في النفقة مطلقا ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 274 ] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 274 ) قلت : الموصول مبتدأ ، و ( فلهم أجرهم ) : خبر ، والفاء للسببية ، ولأن في الموصول معنى الشرط ، وقيل : الخبر محذوف ، أي : ومنهم الذين ينفقون إلخ ، و ( فلهم ) : استئناف بيانى . يقول الحق جل جلاله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ، ويعمرون أوقاتهم بفعل الخيرات ، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إذا قدموا عليه ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات محبوب ، بل وجدوا اللّه فأغناهم عن كل شئ . قيل : نزلت في أبى بكر رضي اللّه عنه ؛ تصدّق بأربعين ألف دينار ، عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة بالسر ، وعشرة بالعلانية ، أو في علي - كرم اللّه وجهه - لم يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، ودرهم نهارا ، ودرهم سرا ، ودرهم علانية . وهي عامة لمن فعل فعلهما . الإشارة : أجر بذل الأموال هو إعطاء الثواب من وراء الباب ، والأمن من العذاب وسوء المآب ، وأجر بذل النفوس هو دخول حضرة القدوس ، والأنس بالأحباب داخل الحجاب ، فمن بذل نفسه للّه على الدوام ، أمنه من الحجبة في دار السلام ، فلا خوف يلحقهم في الدارين ، ولا يعتريهم حزن في الكونين . وباللّه التوفيق . ولما رغّب في الصدقة ، وكانت في الغالب لا يتوصل إليها إلا بتعاطى أسباب المال ، وهو البيع والشراء حذر من الريا ؛ لئلا يتساهل الناس في المعاملة به ، حرصا على الصدقة ، فقال :